ابن أبي الحديد

178

شرح نهج البلاغة

أما بعد ، فإني كنت حددت لك حدا في [ أمر ] ( 1 ) المهلب ، فلما ملكت أمرك ، نبذت طاعتي وراءك ، واستبددت برأيك ، فوليت المهلب الجباية ، ووليت أخاك حرب الأزارقة ، فقبح الله هذا رأيا ! أتبعث غلاما غرا لم يجرب الأمور والحروب للحرب ، وتترك سيدا شجاعا مدبرا حازما قد مارس الحروب ففلج ( 3 ) ، فشغلته بالجباية ! أما لو كافأتك على قدر ذنبك لأتاك من نكيري ما لا بقية لك معه ! ولكن تذكرت رحمك فكفتني عنك ، وقد جعلت عقوبتك عزلك . والسلام . قال : وولى بشر بن مروان الامارة وهو بالكوفة ، وكتب إليه : أما بعد ، فإنك أخو أمير المؤمنين يجمعك وإياه مروان بن الحكم ، وإن خالدا لا مجتمع له مع أمير المؤمنين دون أمية ، فانظر المهلب بي أبى صفرة ، فوله حرب الأزارقة ، فإنه سيد بطل مجرب ، وامدده من أهل الكوفة بثمانية آلاف رجل ، والسلام . فشق على بشر ما أمره به في المهلب ، وقال : والله لأقتلنه ، فقال له موسى بن نصير : أيها الأمير ، إن للمهلب حفاظا ووفاء وبلاء . وخرج بشر بن مروان يريد البصرة ، فكتب موسى بن نصير وعكرمة بن ربعي إلى المهلب أن يتلقاه لقاء لا يعرفه به ، فتلقاه المهلب على بغل ، وسلم عليه في غمار ( 4 ) الناس ، فلما جلس بشر مجلسه ، قال : ما فعل أميركم المهلب ؟ قالوا : قد تلقاك أيها الأمير ، وهو شاك . فهم بشر أن يولى حرب الأزارقة عمر بن عبيد الله بن معمر ، وشد عزمه أسماء

--> ( 1 ) من الكامل . ( 2 ) ج : ( فاستبددت ) . ( 3 ) فلج : ظفر وانتصر . ( 4 ) غمار ، بكسر الغين : جمع غمرة ، والغمرة : المزدحم . وفي الكامل : ( خمار الناس ) ، وخمار الناس كثرتهم وزحمتهم وجماعتهم .